إمارة منطقة الرياض محافظة ضرماء مركز الجافورة
9 صفر 1440 هـ

عبدالله بن خميس.. ذكريات وتجارب

الذكريات حينما يكتبها ذاك الكاتب أو الأديب أو العالم أو أي شخصية عملت في أحد الميادين هي مرآة وصورة حية لهذه الشخصية، وعلى الرغم من اختلاف الآراء والأفكار والمرئيات في كتابة هذه المذكرات وتفاوت السرد في لفظ "الأنا"، أو الإغراق في نرجسية الذات ونسبة الفضائل والمحاسن، والتهرب من العيوب والأخطاء التي تقع فيها كل نفس بشرية، أو التبرير والتأويل للخروج من هذه الأخطاء بصورة حسنة، إلاّ أنها تنقل لنا تجارب الآخرين وخبراتهم، والمذكرات التي سوف نُلقي الضوء عليها هي سيرة ذاتية كتبها الأديب عبدالله بن خميس - رحمه الله - متذكراً سنوات العمر، وراوياً تلك الأيام، وسارداً ذكرياته بما فيها من حلو ومر ونجاح وعثرات.

ولقد كُتب عن ابن خميس كتب ودراسات، وكتب الكثيرون عنه في الصحف والمجلات، وبالأخص بعد وفاته، لكن هذه الكتابة هي بقلمه ومداده سطرها ودوّنها في هذه الصفحات والورقات بعنوان "شؤون وشجون"، وهي في الحقيقة ليست كل ذكرياته، لكنها خلاصة الخلاصة مما بقي في الذاكرة.

يقول عبدالله بن خميس: لقد سجلت هذه المذكرات قطراً من بحر ولجة من لجة بعضها ما واتني به الاستذكار، وبعضها ما سمحت الظروف بتسجيله، وبعضها ما أراه يتفق وطبيعة هذه المذكرات، وقد استهل مذكراته عن أسرته آل خميس التي سكن جد هذه الأسرة الدرعية في عهد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وهذا الجد اسمه حمد الذي انتقل من وادي الدواسر ليتفرق آل خميس في الرياض ومنفوحة وضرما، وقد ظهر منهم أعلام في عهد الدولة السعودية الأولى كما يروي ابن خميس منهم عبدالرحمن بن خميس إمام مسجد الطريف، ويروي ابن خميس طفولته وصباه في الدرعية حيث ولد سنة 1337هـ وتلقيه مبادئ القراءة والكتابة هنالك، ويصور المعاناة من قسوة العيش ومرارة تلك الظروف التي عاشها هو وإخوانه والأم، يروي هذه الظروف ويصور مشاهدها ويجسد هذه الأحوال فيقول: "وكان الظرف الذي يمر بأسرة المترجم - أي أسرة ابن خميس - من أصعب الظروف التي مرت بهم، فقد صحبهم الجوع والعري وقساوة الزمن، فإنني لم أذكر يوماً من الأيام أننا شبعنا من خشن العيش - أي رديء القمح - ودقل التمر - أي رديئه -".

مخزون التمر

ويسرد عبدالله بن خميس تلك الأيام التي مرت بالمنطقة النجدية في عصر ما قبل النفط، حيث يروي هذه المواقف عن والدته - رحمها الله - قائلاً: وقد بعثت لنا جارة لنا زوجة لأحد الفلاحين من أهل الدرعية إناء صغيراً فيه قليل من التمر لتأخذه والدتنا وتعطي كل واحد من أهل البيت تمرة واحدة وتصك المخزون، لتعطي كل واحد في اليوم التالي تمرة أخرى وهكذا - والكلام لا يزال لابن خميس - وأحياناً يلجئني الجوع لأذهب إلى إمام مسجد حي المريّح وكان لديه بئر يمتح الماء ليتوضأ المصلون والمارة ويسقي نخيلات في بستان جانب البئر فأقوم بمتح الماء - أي إخراجه من البئر - لسقيا هذا البستان كل نهاري، وأجري هي أن أجد بعض لقيمات يعدها لي بعد صلاة الظهر أسد بها رمقي، وهكذا أعامله ويعاملني. انتهى كلام ابن خميس. ولم تخل هذه القسوة والعيش الضنك وسوء الأحوال من براءة الطفولة، فقد روي بعضها في مذكراته، وأخيراً سعدت الأسرة بشراء مزرعة كان الشيخ ابن خميس يعالج الزرع والسقي والحرث مساعداً لوالده محمد بن خميس - رحمه الله - وينطلق في تلك الأيام القاسية ذاكراً شيئاً من بعض هواياته، ومن الترفيه الذي يلجأ إليه ذلك الجيل وهو طرد الصيد التي هي من هوايات الشباب، فكانت هذه الهواية المنفس الوحيد بل الأوحد للشيخ ابن خميس في البرية القريبة من مزرعة أهله.

مغامرات الشباب

وفي هذه الأيام الغابرة لم ينس عبدالله بن خميس ذكرى وفاجعة مازالت منقوشة في الذاكرة هي وفاة الوالدة، وكان غائباً عن المنزل وذاهباً إلى الرياض على حمار لأجل شراء لحم لضيوف حلّوا فجأة على البيت، يجسد الشيخ ابن خميس هذه المأساة قائلاً: فنزل عليّ هذا الخبر نزول الصاعقة وأخذت أطلق الأصوات تلو الأصوات ليجتمع عليّ أهل البيت ويواسونني ويخففون من لوعتي التي لازمتني أياماً، وبعدها يحكي الشيخ ابن خميس طرقًا من مغامرات الشباب وإثبات الشخصية وهي حكاياه عن التصدي للذئاب والضباع التي دأبت تهجم وتفترس الحمير والأغنام، فما كان منه إلاّ قتل بعض هذه الضباع كامناً لها في الليل، وقد طاب لابن خميس أن يروي هذه القصص عن رصد الذئاب والضباع في شعاب الدرعية؛ لأنها ذكريات وشبابية لا يمكن أن تمحى من الشريط الطويل الذي يسرده في مذكراته الشيقة والممتعة والطريفة والقصص الحلوة والمليحة.

التحاقٌ بالجندية

ويكتب عبدالله بن خميس بداياته في العمل الوظيفي في الدولة وهو لايزال شاباً غضاً طرياً، حيث انضم إلى حملة السلاح في الجندية، وكانت هذه المجموعة قد اقتيد منها أناس من أهل الدرعية، وشاء الله أن يتخلف شخص ويحل مكانه ابن خميس، فكانت هذه الرحلة إلى حائل هي الانطلاقة الأولى لأن يطوِّر أبجديات التعلم ومبادئ القراءة والكتابة، فقد كان قبل هذا قد تعلم القرآن الكريم في الدرعية وأبجديات القراءة والكتابة، وإذا أراد الله جل وعلا للمرء شيئاً هيأ له أسبابه، فابن خميس لم يكن يفكر في الاستزادة وتعلم القراءة والكتابة والحساب، إنما أراد أن يلتحق بالجندية لأجل لقمة العيش والكفاف، حيث وصل إلى حائل ودخل مدرسة سليمان بن سكيت - رحمه الله - الذي توسم في الشيخ ابن خميس شيئاً من النجابة كما يقول كاتب المذكرات.

وفي مدينة حائل يثني ابن خميس على هذه المحطة من محطات رحلة حياته حيث يقول: وكانت هذه الخطوة في التعليم سبباً في طمعي بما هو أعلى وأغلى، وكانت أيامي التي قضيتها بحائل أعطتني دروساً وتجارب مع الرفقة التي عشت معهم هذه المدة، ويؤكد على هذه المحطة في حائل التي كانت سبباً مباشراً في تطوير معلوماته، بل كانت هذه المحطة جالبة لعمل جديد حيث أصبح متعلماً، وهنا انضم إلى جباية الزكاة من القبائل.

يحدثنا - رحمه الله - عن هذه الفرق والجماعات التي تجمع الزكاة - أي زكاة بهيمة الأنعام - قائلًا: ولقد كانت هذه الفرق كلها تستعمل الإبل في جباية الزكاة من الرياض إلى الحجاز، ولقد صحبت هذه الفرق أربع سنوات جزت خلالها أنحاء المنطقة الوسطى حيناً مع فرقة البواردي، وحيناً في فرقة محمد آل الشيخ، وحيناً في الفرقة الأم، وحيناً في أحد الفروع، ولقد جرى لي في هذه الفترة التي أقضيها مع جباة الزكوات شؤون وشجون وذكريات وانطباعات ساعدتني على ما كتبته عن جغرافية الجزيرة العربية في كتبي، وما دونته في معجم جبال الجزيرة، وما لاقيته من تعب ونصب ومشقة على ظهور الإبل أمضي الليالي تلو الليالي بالسهر في الانتقال من ماء إلى آخر.

كتابة وتدوين

ويحدد عبدالله بن خميس تاريخاً في إحدى سنوات جباية الزكاة حيث سرد هذه التنقلات من الشمال إلى الوسط وإلى الشرق ثم إلى الجنوب، فهو يقول: أضرب مثلًا نموذجياً لزكاتنا العام 1362هـ، حينما بدأ عملنا من حفر العتك نزكي ثم ننطلق بعدها إلى رماح لنجد البادية بمواشيهم كأنهم قطع النخيل فنزكيهم يومنا ذلك، وننطلق بعدها إلى ماء ملانه، وهكذا ننطلق بعدها إلى ماء أبي جفان ثم ننطلق بعده إلى ماء وسيع ونمر بعده بثليماء الخرج ثم بخفس دغرة، إلى أن وصلنا إلى ماء البكرة في أعلى وادي برك، هذه بعض المواضع في صحراء نجد التي شاهدها عبدالله بن خميس وخبرها ووقف عليها ورسخت في ذاكرته ودونها في مدوناته الجغرافية أشهرها معجم اليمامة، الذي يعد أول معجم مختص بجغرافية اليمامة، ثم موسوعته الكبرى تاريخ اليمامة، وموسوعته جبال اليمامة وأودية اليمامة، ولقد كانت وظيفة ابن خميس في هذه الفرق أو العمالة هي الكتابة والتدوين، حيث يسجل كل ما تأخذه الفرق من زكاة بهيمة الأنعام أو بدلها نقداً من هذه القبائل وعلى الوجه الذي جاءت به السنة في زكاة بهيمة الأنعام، وبالأخص زكاة الإبل والغنم عند القبائل.

قراءة الكتب

وفي هذه التنقلات التي كانت على ظهور الإبل تهطل الأمطار بغزارة وتجري الوديان وتسيل الشعاب في صحراء نجد، فتكون الصحراء في أبهى صورها وأجمل مشاهدها، وقد عين كذلك فيما بعد كاتباً لجباية الزكاة في الأحساء وفي منطقة الصمان، ويصف ابن خميس دخوله دحل من دحول الصمان هو ورفقه معه يطلق عليه دحل الهشّامي لجلب الماء من قعره، ويختم - رحمه الله - هذه المحطة وإحدى رحلات العمر الطويلة كاشفاً بعض المصادر والمنابع التي حببت له موائد الأدب والعلم والمعرفة، تلك المصادر الأولى والمفاتح التي فتحت له بعض العلوم، وهي من أحب مراحل العمر إليه وأقربها إلى قلبه، يقول: لقد كان ما اكتسبته من تحصيل العلم آنذاك لا يعدو أن يكون مبادئ في علوم القراءة والكتابة والحساب وهو ما أتعلمه في الكُتاب بالدرعية عند عبدالرحمن الحصان، وما أخذته عن والدي من قراءة الكتب وحفظ الأشعار وبعض القصص والروايات، فقد قرأت عليه بعض كتب ابن تيميه وابن القيم وصحيح البخاري ومجموعة الحديث، وكان - رحمه الله - يأخذني معه إلى مجالس الجيران في المزرعة من أسرة العواد والناصر ونقرأ في تلك الكتب بعد مغرب كل يوم، وقرأت على حمد بن سلطان من ملهم وكان معيناً وإماماً وفقيهاً لأهل الدرعية، وبعده قرأت على عبدالرحمن بن مبارك الذي عين بعد ابن سلطان في الدرعية، ولقد كان والدي - رحمه الله - يحفظ الأشعار ويرويها فحصل لي الانطباع في ذلك ومحبة الأدب والشعر، فكنت أحفظ وأُردد، وربما أحاول عبثاً قرض الشعر؛ لأنه لم يكن لدي من قواعد اللغة ما يحمي ما أقوله من الخطأ.

دار التوحيد

كان السبب المباشر والوحيد والفضل في دراسة عبدالله بن خميس بدار التوحيد هو تشجيع صديقه الوفي والأديب فهد المارك - رحمه الله - حيث شجعه وأقنعه بضرورة الدراسة في هذه الدار التي لتوها قد فتحت أبوابها للتلاميذ، يقول ابن خميس: وكنت على صلة بالأخ الصديق فهد المارك الذي تجمعني به الصحبة لدى الأمير فهد بن سعد وكان آنذاك يدرس عند الشيخ محمد بن إبراهيم، وفي يوم من الأيام أخبرني أن مدرسة علمية فتحت بالطائف اسمها دار التوحيد، وقد أشار علي بالالتحاق بها، كما أنه قرر أن يكون من طلابها فقبلت مشورته - انتهى كلامه -، وبعدها أقنع ابن خميس والده واقتنع وذهب مسرعاً ميمماً وجهته إلى الطائف، وقابل رئيسها الأديب والعالم بهجت البيطار - رحمه الله -، وكادت دار التوحيد أن تغلق بابها أمام ابن خميس، حيث إنه يشترط في الدخول لدار التوحيد الحصول على الشهادة الابتدائية، وهذا لا يتوفر عنده، ومع الإصرار ووساطة المدرس بالدار الشيخ عبدالله بن صالح الخليفي - رحمه الله - لدى الشيخ البيطار قبل الوساطة، ذاكراً أنه لابد من قبول هؤلاء وسوف تتشرف بهم الدار، وقُبل ابن خميس في دار التوحيد وأكمل مشواره العلمي وتلقى العلوم الشرعية والعربية على أيدي أساتذة من علماء مصر والشام ونجد، وأصبح من التلاميذ النابهين، بل ترأس النادي الأدبي، وقد أنشأه طلاب الدار، فكان هذا النادي يقيم احتفالاً مساء كل خميس، ويحضره جملة من الأُدباء والشعراء، خصوصاً أعيان أهل نجد المقيمين في الطائف.

حفظ المعلومات

يقول عبدالله بن خميس عن النادي الأدبي: وقد أُسندت إدارة هذا النادي إليّ فظللت أُديره طيلة إقامتي في الدار، وكانت تلقى به قصائد ومحاضرات وندوات على مستوى من الجودة والاتقان، ولقد أخذت أزاول قرض الشعر وأُلقي ما أُلقي منه في هذا النادي، وأبعث ما أبعث به إلى جريدة المدينة والبلاد السعودية ومجلة المنهل، مكثت أربع سنوات طيلة فترة دراستي في الدار، وكانت من أحلى أيام حياتي، رغم ما أُلاقيه من عنت الدراسة وعنايتي في حفظ المعلومات، وكنت أحفظ ألفية ابن مالك، ومتن كتاب الزاد، وبلوغ المرام، ومتن البيقونية ومتوناً أخرى، وكنت ألجأ إلى جبال الطائف لتكرار الحفظ بها، وأحياناً تكون نزهتي تسلق تلك الجبال: جبل شمرخ، وجبل دمه، وجبل السكارى، وجبل أم العراد، وجبل الخمير، وأم الأدم، وشرقرة.. إلخ، وعلى ما نلاقيه من مشقة الدراسة والحفظ فإننا نستلذ بتلك الأيام ونذكرها بجميل الذكر، لاسيما ما أعقبته من لذة العلوم وما أعطته من جمال الحياة العلمية وسرورها.

معهد الأحساء

بعد مرحلة دار التوحيد انتقل عبدالله بن خميس إلى مكة المكرمة ودخل كلية الشريعة وكان في هذه المدة الزمنية قد تعرّف على سماحة العلامة المفسر الشيخ محمد متولي الشعراوي - رحمه الله - الذي كان أستاذاً في كلية الشريعة، وارتبطت صداقة التلميذ لشيخه، حيث تربطهما روابط الأدب والفكر والشعر، حيث تبادلا قرض الشعر، وبعدها تخرج عبدالله بن خميس من كلية الشريعة ودخل في عالم الوظيفة الحكومية، حيث عُين مديراً لمعهد الأحساء العلمي إلى آخر الوظائف التي شغلها في حياته، وكانت هذه الحياة فيما بعد غزيرة بالإنتاج الأدبي والشعري وتأليف المؤلفات، وتأسيس مجلة الجزيرة التي أصبحت فيما بعد جريدة الجزيرة، هذه بعض مراحل ومحطات بن خميس كما كتبها في هذه المذكرات.

وهنا في شبابه
ابن خميس على مكتبه
مع أبنائه
صلاح الزامل

عبدالله بن خميس.. ذكريات وتجارب

الذكريات حينما يكتبها ذاك الكاتب أو الأديب أو العالم أو أي شخصية عملت في أحد الميادين هي مرآة وصورة حية لهذه الشخصية، وعلى الرغم من اختلاف الآراء والأفكار والمرئيات في كتابة هذه المذكرات وتفاوت السرد في لفظ "الأنا"، أو الإغراق في نرجسية الذات ونسبة الفضائل والمحاسن، والتهرب من العيوب والأخطاء التي تقع فيها كل نفس بشرية، أو التبرير والتأويل للخروج من هذه الأخطاء بصورة حسنة، إلاّ أنها تنقل لنا تجارب الآخرين وخبراتهم، والمذكرات التي سوف نُلقي الضوء عليها هي سيرة ذاتية كتبها الأديب عبدالله بن خميس - رحمه الله - متذكراً سنوات العمر، وراوياً تلك الأيام، وسارداً ذكرياته بما فيها من حلو ومر ونجاح وعثرات.

ولقد كُتب عن ابن خميس كتب ودراسات، وكتب الكثيرون عنه في الصحف والمجلات، وبالأخص بعد وفاته، لكن هذه الكتابة هي بقلمه ومداده سطرها ودوّنها في هذه الصفحات والورقات بعنوان "شؤون وشجون"، وهي في الحقيقة ليست كل ذكرياته، لكنها خلاصة الخلاصة مما بقي في الذاكرة.

يقول عبدالله بن خميس: لقد سجلت هذه المذكرات قطراً من بحر ولجة من لجة بعضها ما واتني به الاستذكار، وبعضها ما سمحت الظروف بتسجيله، وبعضها ما أراه يتفق وطبيعة هذه المذكرات، وقد استهل مذكراته عن أسرته آل خميس التي سكن جد هذه الأسرة الدرعية في عهد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وهذا الجد اسمه حمد الذي انتقل من وادي الدواسر ليتفرق آل خميس في الرياض ومنفوحة وضرما، وقد ظهر منهم أعلام في عهد الدولة السعودية الأولى كما يروي ابن خميس منهم عبدالرحمن بن خميس إمام مسجد الطريف، ويروي ابن خميس طفولته وصباه في الدرعية حيث ولد سنة 1337هـ وتلقيه مبادئ القراءة والكتابة هنالك، ويصور المعاناة من قسوة العيش ومرارة تلك الظروف التي عاشها هو وإخوانه والأم، يروي هذه الظروف ويصور مشاهدها ويجسد هذه الأحوال فيقول: "وكان الظرف الذي يمر بأسرة المترجم - أي أسرة ابن خميس - من أصعب الظروف التي مرت بهم، فقد صحبهم الجوع والعري وقساوة الزمن، فإنني لم أذكر يوماً من الأيام أننا شبعنا من خشن العيش - أي رديء القمح - ودقل التمر - أي رديئه -".

مخزون التمر

ويسرد عبدالله بن خميس تلك الأيام التي مرت بالمنطقة النجدية في عصر ما قبل النفط، حيث يروي هذه المواقف عن والدته - رحمها الله - قائلاً: وقد بعثت لنا جارة لنا زوجة لأحد الفلاحين من أهل الدرعية إناء صغيراً فيه قليل من التمر لتأخذه والدتنا وتعطي كل واحد من أهل البيت تمرة واحدة وتصك المخزون، لتعطي كل واحد في اليوم التالي تمرة أخرى وهكذا - والكلام لا يزال لابن خميس - وأحياناً يلجئني الجوع لأذهب إلى إمام مسجد حي المريّح وكان لديه بئر يمتح الماء ليتوضأ المصلون والمارة ويسقي نخيلات في بستان جانب البئر فأقوم بمتح الماء - أي إخراجه من البئر - لسقيا هذا البستان كل نهاري، وأجري هي أن أجد بعض لقيمات يعدها لي بعد صلاة الظهر أسد بها رمقي، وهكذا أعامله ويعاملني. انتهى كلام ابن خميس. ولم تخل هذه القسوة والعيش الضنك وسوء الأحوال من براءة الطفولة، فقد روي بعضها في مذكراته، وأخيراً سعدت الأسرة بشراء مزرعة كان الشيخ ابن خميس يعالج الزرع والسقي والحرث مساعداً لوالده محمد بن خميس - رحمه الله - وينطلق في تلك الأيام القاسية ذاكراً شيئاً من بعض هواياته، ومن الترفيه الذي يلجأ إليه ذلك الجيل وهو طرد الصيد التي هي من هوايات الشباب، فكانت هذه الهواية المنفس الوحيد بل الأوحد للشيخ ابن خميس في البرية القريبة من مزرعة أهله.

مغامرات الشباب

وفي هذه الأيام الغابرة لم ينس عبدالله بن خميس ذكرى وفاجعة مازالت منقوشة في الذاكرة هي وفاة الوالدة، وكان غائباً عن المنزل وذاهباً إلى الرياض على حمار لأجل شراء لحم لضيوف حلّوا فجأة على البيت، يجسد الشيخ ابن خميس هذه المأساة قائلاً: فنزل عليّ هذا الخبر نزول الصاعقة وأخذت أطلق الأصوات تلو الأصوات ليجتمع عليّ أهل البيت ويواسونني ويخففون من لوعتي التي لازمتني أياماً، وبعدها يحكي الشيخ ابن خميس طرقًا من مغامرات الشباب وإثبات الشخصية وهي حكاياه عن التصدي للذئاب والضباع التي دأبت تهجم وتفترس الحمير والأغنام، فما كان منه إلاّ قتل بعض هذه الضباع كامناً لها في الليل، وقد طاب لابن خميس أن يروي هذه القصص عن رصد الذئاب والضباع في شعاب الدرعية؛ لأنها ذكريات وشبابية لا يمكن أن تمحى من الشريط الطويل الذي يسرده في مذكراته الشيقة والممتعة والطريفة والقصص الحلوة والمليحة.

التحاقٌ بالجندية

ويكتب عبدالله بن خميس بداياته في العمل الوظيفي في الدولة وهو لايزال شاباً غضاً طرياً، حيث انضم إلى حملة السلاح في الجندية، وكانت هذه المجموعة قد اقتيد منها أناس من أهل الدرعية، وشاء الله أن يتخلف شخص ويحل مكانه ابن خميس، فكانت هذه الرحلة إلى حائل هي الانطلاقة الأولى لأن يطوِّر أبجديات التعلم ومبادئ القراءة والكتابة، فقد كان قبل هذا قد تعلم القرآن الكريم في الدرعية وأبجديات القراءة والكتابة، وإذا أراد الله جل وعلا للمرء شيئاً هيأ له أسبابه، فابن خميس لم يكن يفكر في الاستزادة وتعلم القراءة والكتابة والحساب، إنما أراد أن يلتحق بالجندية لأجل لقمة العيش والكفاف، حيث وصل إلى حائل ودخل مدرسة سليمان بن سكيت - رحمه الله - الذي توسم في الشيخ ابن خميس شيئاً من النجابة كما يقول كاتب المذكرات.

وفي مدينة حائل يثني ابن خميس على هذه المحطة من محطات رحلة حياته حيث يقول: وكانت هذه الخطوة في التعليم سبباً في طمعي بما هو أعلى وأغلى، وكانت أيامي التي قضيتها بحائل أعطتني دروساً وتجارب مع الرفقة التي عشت معهم هذه المدة، ويؤكد على هذه المحطة في حائل التي كانت سبباً مباشراً في تطوير معلوماته، بل كانت هذه المحطة جالبة لعمل جديد حيث أصبح متعلماً، وهنا انضم إلى جباية الزكاة من القبائل.

يحدثنا - رحمه الله - عن هذه الفرق والجماعات التي تجمع الزكاة - أي زكاة بهيمة الأنعام - قائلًا: ولقد كانت هذه الفرق كلها تستعمل الإبل في جباية الزكاة من الرياض إلى الحجاز، ولقد صحبت هذه الفرق أربع سنوات جزت خلالها أنحاء المنطقة الوسطى حيناً مع فرقة البواردي، وحيناً في فرقة محمد آل الشيخ، وحيناً في الفرقة الأم، وحيناً في أحد الفروع، ولقد جرى لي في هذه الفترة التي أقضيها مع جباة الزكوات شؤون وشجون وذكريات وانطباعات ساعدتني على ما كتبته عن جغرافية الجزيرة العربية في كتبي، وما دونته في معجم جبال الجزيرة، وما لاقيته من تعب ونصب ومشقة على ظهور الإبل أمضي الليالي تلو الليالي بالسهر في الانتقال من ماء إلى آخر.

كتابة وتدوين

ويحدد عبدالله بن خميس تاريخاً في إحدى سنوات جباية الزكاة حيث سرد هذه التنقلات من الشمال إلى الوسط وإلى الشرق ثم إلى الجنوب، فهو يقول: أضرب مثلًا نموذجياً لزكاتنا العام 1362هـ، حينما بدأ عملنا من حفر العتك نزكي ثم ننطلق بعدها إلى رماح لنجد البادية بمواشيهم كأنهم قطع النخيل فنزكيهم يومنا ذلك، وننطلق بعدها إلى ماء ملانه، وهكذا ننطلق بعدها إلى ماء أبي جفان ثم ننطلق بعده إلى ماء وسيع ونمر بعده بثليماء الخرج ثم بخفس دغرة، إلى أن وصلنا إلى ماء البكرة في أعلى وادي برك، هذه بعض المواضع في صحراء نجد التي شاهدها عبدالله بن خميس وخبرها ووقف عليها ورسخت في ذاكرته ودونها في مدوناته الجغرافية أشهرها معجم اليمامة، الذي يعد أول معجم مختص بجغرافية اليمامة، ثم موسوعته الكبرى تاريخ اليمامة، وموسوعته جبال اليمامة وأودية اليمامة، ولقد كانت وظيفة ابن خميس في هذه الفرق أو العمالة هي الكتابة والتدوين، حيث يسجل كل ما تأخذه الفرق من زكاة بهيمة الأنعام أو بدلها نقداً من هذه القبائل وعلى الوجه الذي جاءت به السنة في زكاة بهيمة الأنعام، وبالأخص زكاة الإبل والغنم عند القبائل.

قراءة الكتب

وفي هذه التنقلات التي كانت على ظهور الإبل تهطل الأمطار بغزارة وتجري الوديان وتسيل الشعاب في صحراء نجد، فتكون الصحراء في أبهى صورها وأجمل مشاهدها، وقد عين كذلك فيما بعد كاتباً لجباية الزكاة في الأحساء وفي منطقة الصمان، ويصف ابن خميس دخوله دحل من دحول الصمان هو ورفقه معه يطلق عليه دحل الهشّامي لجلب الماء من قعره، ويختم - رحمه الله - هذه المحطة وإحدى رحلات العمر الطويلة كاشفاً بعض المصادر والمنابع التي حببت له موائد الأدب والعلم والمعرفة، تلك المصادر الأولى والمفاتح التي فتحت له بعض العلوم، وهي من أحب مراحل العمر إليه وأقربها إلى قلبه، يقول: لقد كان ما اكتسبته من تحصيل العلم آنذاك لا يعدو أن يكون مبادئ في علوم القراءة والكتابة والحساب وهو ما أتعلمه في الكُتاب بالدرعية عند عبدالرحمن الحصان، وما أخذته عن والدي من قراءة الكتب وحفظ الأشعار وبعض القصص والروايات، فقد قرأت عليه بعض كتب ابن تيميه وابن القيم وصحيح البخاري ومجموعة الحديث، وكان - رحمه الله - يأخذني معه إلى مجالس الجيران في المزرعة من أسرة العواد والناصر ونقرأ في تلك الكتب بعد مغرب كل يوم، وقرأت على حمد بن سلطان من ملهم وكان معيناً وإماماً وفقيهاً لأهل الدرعية، وبعده قرأت على عبدالرحمن بن مبارك الذي عين بعد ابن سلطان في الدرعية، ولقد كان والدي - رحمه الله - يحفظ الأشعار ويرويها فحصل لي الانطباع في ذلك ومحبة الأدب والشعر، فكنت أحفظ وأُردد، وربما أحاول عبثاً قرض الشعر؛ لأنه لم يكن لدي من قواعد اللغة ما يحمي ما أقوله من الخطأ.

دار التوحيد

كان السبب المباشر والوحيد والفضل في دراسة عبدالله بن خميس بدار التوحيد هو تشجيع صديقه الوفي والأديب فهد المارك - رحمه الله - حيث شجعه وأقنعه بضرورة الدراسة في هذه الدار التي لتوها قد فتحت أبوابها للتلاميذ، يقول ابن خميس: وكنت على صلة بالأخ الصديق فهد المارك الذي تجمعني به الصحبة لدى الأمير فهد بن سعد وكان آنذاك يدرس عند الشيخ محمد بن إبراهيم، وفي يوم من الأيام أخبرني أن مدرسة علمية فتحت بالطائف اسمها دار التوحيد، وقد أشار علي بالالتحاق بها، كما أنه قرر أن يكون من طلابها فقبلت مشورته - انتهى كلامه -، وبعدها أقنع ابن خميس والده واقتنع وذهب مسرعاً ميمماً وجهته إلى الطائف، وقابل رئيسها الأديب والعالم بهجت البيطار - رحمه الله -، وكادت دار التوحيد أن تغلق بابها أمام ابن خميس، حيث إنه يشترط في الدخول لدار التوحيد الحصول على الشهادة الابتدائية، وهذا لا يتوفر عنده، ومع الإصرار ووساطة المدرس بالدار الشيخ عبدالله بن صالح الخليفي - رحمه الله - لدى الشيخ البيطار قبل الوساطة، ذاكراً أنه لابد من قبول هؤلاء وسوف تتشرف بهم الدار، وقُبل ابن خميس في دار التوحيد وأكمل مشواره العلمي وتلقى العلوم الشرعية والعربية على أيدي أساتذة من علماء مصر والشام ونجد، وأصبح من التلاميذ النابهين، بل ترأس النادي الأدبي، وقد أنشأه طلاب الدار، فكان هذا النادي يقيم احتفالاً مساء كل خميس، ويحضره جملة من الأُدباء والشعراء، خصوصاً أعيان أهل نجد المقيمين في الطائف.

حفظ المعلومات

يقول عبدالله بن خميس عن النادي الأدبي: وقد أُسندت إدارة هذا النادي إليّ فظللت أُديره طيلة إقامتي في الدار، وكانت تلقى به قصائد ومحاضرات وندوات على مستوى من الجودة والاتقان، ولقد أخذت أزاول قرض الشعر وأُلقي ما أُلقي منه في هذا النادي، وأبعث ما أبعث به إلى جريدة المدينة والبلاد السعودية ومجلة المنهل، مكثت أربع سنوات طيلة فترة دراستي في الدار، وكانت من أحلى أيام حياتي، رغم ما أُلاقيه من عنت الدراسة وعنايتي في حفظ المعلومات، وكنت أحفظ ألفية ابن مالك، ومتن كتاب الزاد، وبلوغ المرام، ومتن البيقونية ومتوناً أخرى، وكنت ألجأ إلى جبال الطائف لتكرار الحفظ بها، وأحياناً تكون نزهتي تسلق تلك الجبال: جبل شمرخ، وجبل دمه، وجبل السكارى، وجبل أم العراد، وجبل الخمير، وأم الأدم، وشرقرة.. إلخ، وعلى ما نلاقيه من مشقة الدراسة والحفظ فإننا نستلذ بتلك الأيام ونذكرها بجميل الذكر، لاسيما ما أعقبته من لذة العلوم وما أعطته من جمال الحياة العلمية وسرورها.

معهد الأحساء

بعد مرحلة دار التوحيد انتقل عبدالله بن خميس إلى مكة المكرمة ودخل كلية الشريعة وكان في هذه المدة الزمنية قد تعرّف على سماحة العلامة المفسر الشيخ محمد متولي الشعراوي - رحمه الله - الذي كان أستاذاً في كلية الشريعة، وارتبطت صداقة التلميذ لشيخه، حيث تربطهما روابط الأدب والفكر والشعر، حيث تبادلا قرض الشعر، وبعدها تخرج عبدالله بن خميس من كلية الشريعة ودخل في عالم الوظيفة الحكومية، حيث عُين مديراً لمعهد الأحساء العلمي إلى آخر الوظائف التي شغلها في حياته، وكانت هذه الحياة فيما بعد غزيرة بالإنتاج الأدبي والشعري وتأليف المؤلفات، وتأسيس مجلة الجزيرة التي أصبحت فيما بعد جريدة الجزيرة، هذه بعض مراحل ومحطات بن خميس كما كتبها في هذه المذكرات.

وهنا في شبابه
ابن خميس على مكتبه
مع أبنائه
صلاح الزامل

رابط الخبر